فلسطين أون لاين

تقرير رسالة الطيراوي… خلافات شخصية داخل «فتح» والسلطة أم أن البيت متآكل من الداخل؟

...
عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» توفيق الطيراوي ورئيس السلطة محمود عباس
غزة/ عبد الرحمن يونس

في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وتنظيميًا، فجّر عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» توفيق الطيراوي عاصفةً داخل أروقة السلطة الفلسطينية، بعد أن وجّه رسالة مفتوحة إلى رئيسها محمود عباس، لوّح فيها بكشف ملفات فساد موثّقة بالأسماء والتفاصيل، تتعلق بمستشارين ومسؤولين نافذين، متهمًا منظومة الحكم بالتحول إلى مظلّة تحمي الفاسدين، في ظل ما وصفه بانهيار القضاء وغياب المساءلة.

الرسالة، التي بدت في ظاهرها صرخة إصلاح ونداءً وطنيًا، جاءت محمّلة بدلالات أعمق وأكثر تعقيدًا، تجمع بين خلافات شخصية وصراع نفوذ داخل حركة «فتح»، وبين حقيقة أكثر خطورة تتصل بتغلغل الفساد داخل مؤسسات السلطة، ما يجعلها رسالة سياسية متعددة الطبقات، لا يمكن فصل مضمونها عن توقيتها أو عن السياق التنظيمي الذي صدرت فيه.

وكانت صحيفة «الأخبار» اللبنانية قد كشفت في وقت سابق أن الطيراوي بات طرفًا مباشرًا في صراع محتدم داخل «فتح»، مرتبط بما يُوصف بـ«حرب وراثة» الرئيس محمود عباس. ووفق الصحيفة، يقود أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ مساعي لإزاحة الطيراوي سياسيًا وتنظيميًا، عبر إعداد ملفات مضادة تمهيدًا لمحاكمته فصليًا داخل الحركة.

ويُضفي هذا السياق على رسالة الطيراوي طابعًا شخصيًا وانتقاميًا جزئيًا، إذ جاءت عقب إبعاده عن رئاسة مجلس أمناء جامعة الاستقلال الأمنية، وتصاعد التوتر بينه وبين قيادات فتحاوية بارزة. ومن هنا، يرى مراقبون أن الرسالة لا تمثّل احتجاجًا أخلاقيًا فحسب، بل ورقة ضغط سياسية استخدمها الطيراوي في لحظة اشتباك داخلي حاد.

غير أن اختزال رسالة الطيراوي في بعدها الشخصي فقط يُغفل جوهرها الأخطر؛ فالحديث لم يكن عن تجاوزات فردية معزولة، بل عن منظومة فساد متكاملة تمتد إلى الحكومة والقضاء، وتعمل — وفق توصيفه — بثقة وحصانة، وتلجأ إلى الترهيب والتهديد لإسكات كل من يحاول كشفها.

WLekw.jpg

73aLO.jpg

 

gN79L.jpg


وفي هذا الإطار، قدّم الكاتب والمحلل السياسي خالد أبو صالح قراءة حادة ولافتة للرسالة، معتبرًا أن ما طرحه الطيراوي «ليس رأيًا ولا مزايدة سياسية، بل اتهامًا موثّقًا يضرب قلب مؤسسات السلطة». ويؤكد أبو صالح أن خطورة الرسالة لا تكمن في مضمونها فقط، بل في موقع قائلها؛ فمسؤول أمني سابق وعضو لجنة مركزية لا يلوّح بكشف ملفات إلا إذا كان الخلل عميقًا وبنيويًا.

وأضاف أبو صالح، في منشور عبر صفحته على «فيسبوك» تابعه "فلسطين أون لاين"، أن التهديد بنشر الأسماء والملفات يحمل دلالة واحدة: «البيت من الداخل مأكول»، معتبرًا أن الحديث عن فساد محصَّن، وتسييس القضاء، وحماية المتنفذين، يعني أن السلطة تواجه أزمة وجود لا أزمة إدارة. ويرى أن الصمت الرسمي على هذه الاتهامات، أو الاكتفاء بتوصيفها خلافًا داخليًا، يُشكّل شراكة ضمنية في الفساد وخيانة للثقة العامة.

وفي لهجة شديدة، ربط أبو صالح بين استمرار الفساد والواقع الوطني الكارثي، متسائلًا: «غزة تُباد، والضفة تُستباح، فهل يُعقل أن يبقى الفساد آمنًا خلف المكاتب؟»، ليخلص إلى معادلة صارمة: إمّا محاسبة بلا حصانة، أو انهيار ما تبقى من ثقة الناس، معتبرًا أن الفساد شقيق الاحتلال، ومن يحميه يؤدي — شاء أم أبى — وظيفة في خدمته.

في المقابل، قدّم الكاتب السياسي علي أبو حبلة قراءة أكثر هدوءًا، معتبرًا أن رسالة الطيراوي تحمل في طياتها تحذيرًا من مخاطر المحاصصة والفئوية والتوظيف الانتقائي داخل مؤسسات السلطة، وهي ممارسات تقوّض مصداقية النظام السياسي أمام شعبه والمجتمع الدولي.

ويرى أبو حبلة، في مقال تابعه "فلسطين أون لاين"، أن الرسالة يمكن التعامل معها كخارطة طريق إصلاحية إذا توفرت الإرادة السياسية، من خلال تفعيل آليات المساءلة، وتعزيز الرقابة الشعبية، وربط الأداء الوظيفي بمعايير شفافة، وفتح قنوات تواصل حقيقية بين القيادة والمواطنين. لكنه يحذّر من أن تجاهل الرسالة أو تسفيهها سيعمّق الاحتقان، ويدفع نحو مزيد من التآكل الداخلي.

أما القيادي التاريخي في حركة «فتح» سميح خلف، فاعتبر أن رسالة الطيراوي تعكس تراكمًا طويلًا لظواهر الفساد داخل مؤسسات السلطة، مشيرًا إلى أن هذه القضايا طُرحت مرارًا في السابق، لكنها قوبلت بالتجاهل أو الهجوم.

وأكد خلف، في تغريدة عبر «فيسبوك» تابعتها صحيفة «فلسطين»، أن أهمية الرسالة تنبع من موقع الطيراوي التنظيمي والأمني، ومن معرفته العميقة بخفايا المؤسسات، معتبرًا أن الهجوم عليه من بعض قيادات الحركة يعكس خوف المتضررين من فتح هذه الملفات، لا حرصًا على وحدة «فتح».

ولا يمكن فصل تهديد الطيراوي بنشر ملفات الفساد عن اقتراب المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح»، حيث تُعاد صياغة القيادة وموازين القوة. ففي هذا التوقيت تحديدًا، تتحول ملفات الفساد من همس داخلي إلى أدوات اشتباك سياسي، ورسائل تحذير متبادلة بين أجنحة الحركة.

وفي المحصلة، سواء حملت رسالة الطيراوي دوافع شخصية أم لا، فإنها أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات الفساد جزءًا من بنية السلطة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تملك القيادة الشجاعة لفتح هذه الملفات، أم أن الصراع الداخلي سيبتلعها قبل أي إصلاح حقيقي؟

المصدر / فلسطين أون لاين